الرئيسية » الاخبار »   01 شباط 2013  طباعة الصفحة

هل سنشرب في الصيف بعد موسم مليء بأمطار الخير ؟؟؟ بقلم: صلاح هنية

 

كلما خرجت من مكان انعقاد مؤتمر ومعرض أسبوع المياه العربي في العاصمة الأردنية عمان كان السؤال الحاضر من السائقين: ماذا تفعلون؟ يأتي الجواب: مؤتمر عن المياه . يقول السائق وبسرعة فائقة: يعني راح نشرب السنة راح يكون في مياه.
هذا التوجه كان حاضراً بقوة في أعمال المؤتمر وليس ضمن عناوين رئيسية بل ضمن الخطاب الرسمي العربي في الافتتاح وعكس في أوراق العمل أن قطاع المياه العربي عبارة عن مثلث يجب أن يتجسد عملياً (منظم قطاع المياه، مزود الخدمة، المستهلك وحقه بالمياه كحق إنساني ومياه شرب نقية وخدمات عالية الجودة والسعر الاقتصادي لمن استطاع إليه سبيلاً والسعر الاجتماعي لمن شمل بشبكة الأمان الاجتماعي والفقراء).
كالعادة يتمترس المهندسون وخبراء اقتصاديات المياه في خندق رأيهم وصوابية ما يمارسونه في مصالح وشركات تزويد المياه كل في بلده ويتقاسمون ذات التخندق عندما يجتمعون معاً، فهم يتحدثون عن التكلفة والسعر للمياه واستعادة التكلفة وتقليل الفاقد كعناوين الا انهم يدافعون عن هذه الممارسة بالهجوم على المستهلك الذي يدفع فاتورة الجوال والانترنت ويدفع بنزين سيارته لكنه يتثقل من دفع فاتورة المياه ويريدها منحة، ومن الطبيعي أن يكون هذا الكلام كلمة حق يراد بها باطل لأنهم عموماً لا يرونا الا فاتورة وعداد مياه وما دون ذلك لا علاقة لنا بالامر.
ويتخندقون ايضاً بحساسية تبدو غالباً غير مبررة بخصوص العلاقة مع القطاع الخاص العامل في قطاع المياه وكأنه وباء سيحل بهم متناسين أن التكنولوجيا المائية الحديثة في كافة مراحل التعامل مع المياه حتى ايصاله للمستهلك يكون هذا من نصيب القطاع الخاص بشركاته ومورديه ومكاتب الاستشارات الهندسية، ومن طور قاموساً مترجماً لمصطلحات المياه وتبادل المعرفة المائية والتكنولوجيا المتعلقة بها، وظهر هذا التعاطي مع اجنحة المعرض المرافق للأسبوع (مستثنياً السلوك المسؤول من عدد من المشاركين) بالنقاش وبحث آليات التواصل مع هذه التكنولوجيا وتلك والتواصل مع خدمات تلك الجمعية العلمية.
كنت أحب أن أرى حالة من توطين التدريب في معايير الأداء وقياسها في قطاع المياه ومجموعات العمل الفنية بمراعاة الفوارق في الاحتياجات والإمكانيات بين تجربة اوروبية تحكمها احتياجات تختلف عن بقية المنطقة العربية ويختلف التفاوت من دولة إلى أخرى، والتوطين لا يعني الانكفاء على الذات أو رفض الآخر ولكننا يجب أن نبني نموذجنا بأنفسنا وضمن مرجعياتنا وليس ضمن مرجعيات تجري ترجمتها من لغة أخرى، ولا نقلل من أهمية الاستنارة بالتجارب الأخرى والاستعانة بها.
السياسة والاقتصاد والمياه والطاقة والتغير المناخي والأمن المائي المرتبط بالأمن الغذائي وحماية المستهلك قضايا ظلت مترابطة ومتداخلة ومثار نقاش، ولكن مفتاح السر وكان دائماً (الارادة ثم الارادة ومن ثم من يتخذ الخطوة الاولى)، وبدأت النماذج التي تحث على اتخاذ الخطوة الاولى الريادية في مؤشرات الاداء وقياسها، ومنح وزن لكل منها لكن احداً ما يجب أن يخطو الخطوة الاولى ليجد من يتحمس لكي يتبعه ويخطو مثله.
اجهزة تنظيم قطاع المياه والصرف الصحي حضرت بقوة كبيرة هذه المرة وبات الحديث حول دورها قوياً ومعايير اهميتها وضرورتها الملحة إلى جانب مصالح مرافق المياه تغطي كافة الأماكن السكانية، وكانت دول عربية خمس فيها هذه الأجهزة ودولة فلسطين يجب أن تخطو خطواتها بسرعة بهذا الاتجاه فوراً، وخلال بضعة أسابيع سنكون في مصاف الدول العربية التي تعتمد هذا النموذج وهو نموذج عالمي وقاعدة أداء.
بات من الواضح أن تشتيت مرافق المياه بين وريث هنا وهناك لم يعد شائعاً في المنطقة العربية ولا في بقية العالم وهو حاضر بقوة في دولة فلسطين خصوصاً في مجال إدارة قطاع المياه من قبل البلديات التي لم تحسن صنعاً وحملت الموازنة مديونية كبيرة وهذا أمر يجب أن يولى أهمية كبرى ضمن إعادة هيكلة قطاع المياه في دولة فلسطين.
على حد قول أهل الشام (عدادات الدفع المسبق ما حد شايلها من أرضها عربياً) بالتالي لا يعقل أن نتحدث بشأنها في دولة فلسطين ونحن اصحاب الحقوق المائية الضائعة والمسروقة من الاحتلال، إذ حين نشحن بطاقة الدفع المسبق لا نضمن أن تتدفق المياه ولا نضمن الا في نموذج عدادات الدفع المسبق الا الرواتب المهولة وتسهيل عمليات الجباية سلفاً لمياه أصلاً غير موجودة.
كنت مبهوراً شخصياً في الجلسة التي تعاطت مع اللامركزية في خدمات الصرف الصحي وتنقية المياه العادمة من خلال تجارب حية في البادية الشمالية في الأردن ينفذها المركز الوطني للمياه في الجامعة الأردنية وطلبة الماجستير في المياه في ذات المركز والجامعة، هذه التجربة حملت تجربة تنموية توعوية لاستخدام تكنولوجيا قليلة التكاليف ومواد بنائها موجودة في البيئة المحلية وسهلة البناء من قبل المستفيد الذي يستطيع التعاطي معها والاستفادة من المياه للزراعة وللثروة الحيوانية اضافة إلى برنامج الإقراض دون فوائد لمن يرغب بالاستفادة، وكان الحديث مفصلاً حول التحدي الذي واجه تنفيذ هذا المشروع ورفضه خصوصاً رفض اقامة محطة تنقية كبيرة ومركزية لأنهم يمتلكون صورة سلبية عن هذا الموضوع فتم إيجاد هذا البديل.
كنت اسعى لأكون مطلاً على التجارب المختلفة حول عمل مرافق المياه العربية وحريصاً على طرح مواضيع تهم المستهلك الفلسطيني في قطاع المياه وآلية التعاطي معها عربياً بصورة تحفظ حقوق المستهلك في المياه.
حدثني مدير عام الشركة المصرية القابضة للمياه والصرف الصحي فرع مرسى مطروح حول تكرار سؤالي عن موقع المستهلك من هذه القضية أو تلك وكان حديثه مركزاً حول حساسية الشركة لديهم لقضايا المستهلك ورضاه من حيث وجود جهاز حماية المستهلك في وزارة المياه والري الذي يقوم بمتابعة وتدقيق مدى تحقيق هذه الحماية، وهناك إجراءات داخل الشركة نفسها لتقوم بهذه الإجراءات داخلها ومراعاة الفقراء ضمن سياسة عامة.
سألته عن شكوى وصلتنا في الجمعية حول قيام بعض المطورين العقاريين بعدم دفع مستحقات المياه على العداد المؤقت للمياه وتحميلها على السكان فقال لي انهم يعطون للمطور العقاري ذات العداد لكنه يحتسب متر المياه بـ 10 جنيه بينما يباع للمواطن بـ (65 قرشاً) بالتالي هو يضطر للخلاص من العبء المالي بسرعة ولا نحتسب على السكان لأنه مطلوب منه تبرئة ذمته ونتابعه هو شخصياً.
باختصار وخاتمة القول إن التجربة بغض النظر عن تقييمها هي مفيدة ولكننا يجب أن نكون أكثر رغبة بالاستفادة والاستنارة وأن نكون أقل رغبة بالتخندق خلف موقفنا وكأنها هي الخيار الوحيد والصواب الوحيد فقط ليس فقط في مجال أو قطاع ولكن في جميع مجالات الحياة.

[email protected]
www.pcp.ps

 
تاريخ نشر المقال 02 شباط 2013