الرئيسية » الاخبار »   17 كانون الثاني 2013  طباعة الصفحة

تشجيع المنتجات الفلسطينية من أين وإلى اين؟ صلاح هنية*

دأبت العديد من مؤسسات المجتمع المدني وأطر القطاع الخاص الفلسطيني على التفاعل مع حملات تشجيع ودعم المنتجات الفلسطينية من خلال المعارض وحملات الترويج والحث على منح الأفضلية لتلك المنتجات، تارة في خضم ارتفاع وتيرة الأحداث السياسة مثل انتفاضة الأقصى في العام 2000، وتارة من خلال حملات شبابية طلابية مرتبطة بمناسبة أو موسم من المواسم.
إلا أن استراتيجية وطنية تجمع عليها الحكومة ومؤسساتها والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني ظلت غائبة بغض النظر عن الحديث عن تلك الاستراتيجية أو ملامحها أو الولوج بها أو بروز مظهر من مظاهرها، وحتى العوامل الداعمة لتلك الاستراتيجية لم ترق إلى المستوى المطلوب من حيث توفير مناخ المواصفات والمقاييس الذي يعتبر عنصرا حاسما في هذه الاستراتيجية، وتهيئة عوامل حقيقية وعميقة باتجاه فتح أسواق جديدة أمام المنتجات الفلسطينية، ومحاولة تقليل حجم الشراء من السوق الإسرائيلي التي تبلغ قيمته ما يقارب الـ 3.5 مليار دولار سنويا، وعوامل التأثير على زيادة حصة المنتج الفلسطيني في السوق الفلسطيني بصورة تترك آثارا اقتصادية وتشغيلية على زيادة الأيدي العاملة والتخفيف من أثر البطالة
.
عمليا، شكل الراصد الاقتصادي ( الحملة الشعبية لتشجيع المنتجات الفلسطينية ) وجمعية حماية المستهلك الفلسطيني، والحركة الطلابية في جامعة النجاح الوطنية، وجامعة بيرزيت، وجامعة فلسطين التقنية – خضوري، وغيرها من الجامعات، ومبادرات الإغاثة الزراعية الفلسطينية، ومبادرة حركة فتح لتشجيع الصناعات الفلسطينية وبادر، مبادرات من أجل دعم وتشجيع المنتجات الفلسطينية ومنحها الأفضلية في السوق الفلسطيني، وظلت على تواصل مع الوزارات والقطاع الخاص من أجل تجذير وترسيخ هذه المبادرات.
من منطلق التجربة في هذه الفعاليات فإن هذه الحملات تصطدم غالبا بمعيقات أهمها:
-الصورة النمطية الرائجة لدى عديد الجهات الفلسطينية بأن الانتاج الفلسطيني لا يغطي حاجة السوق الفلسطيني من جهة، وأن معظم الصناعات الفلسطينية لا تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، وقد ووجهنا بهذا العائق منذ بدء التفكير بأية حملة في هذا الاتجاه وكأنها كافية لاحباط أي توجه.
السؤال الأكثر منطقية هو أنه في حالة زيادة حصة المنتج الفلسطيني  في السوق المحلية، وهل سيتمكن القطاع الصناعي الفلسطيني من زيادة إنتاجيته والعمل بكامل طاقته الإنتاجية؟
الجواب حاضر بقوة وعلى لسان كل رأس منشأة صناعية فلسطينية اننا جاهزون فورا لزيادة كمية الإنتاج، ومضاعفة المناوبات، والعمل بكامل طاقتنا الإنتاجية وحتى فتح خطوط إنتاج جديدة ومتنوعة، وإلا لماذا نستثمر، أليس من أجل الربح والتوسع والمنافسة على حصة إضافية في السوق الفلسطيني؟
-غياب قرار حكومي واضح المعالم يمنح الأفضلية للمنتجات الفلسطينية وخصوصا في قطاع الصناعات الانشائية والكيميائية في العطاءات الحكومية واللوازم العامة، وضرورة عدم اخضاع هذا الأمر لرأي لجان العطاءات والمشتريات بل يجب أن يكون هناك قرار بهذا الخصوص مع لوائح تنفيذية توضح بصورة واضحة آلية التعاطي مع هذا الأمر سواء من خلال إضافة نقاط محددة للمنتج الفلسطيني كعامل تحفيزي، وتجيير المواصفات الفنية للعطاءات الحكومية لتتلاءم مع المنتجات الفلسطينية.
-ضرورة العمل على ايجاد البدائل الخلاقة لسيطرة إسرائيل على المعابر والموانئ وعدم الاكتفاء بالدراسات النظرية التي تضع في الحسبان محددات السيطرة الإسرائيلية على المعابر والموانئ.
-تطوير أداء مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية بوابة الأمان للمنتج والمستهلك بحيث تصدر المعايير الفنية الالزامية للمنتجات الفلسطينية، واعتبار المواصفة الفلسطينية عوائق غير جمركية للحد من منافسة المنتجات غير الفلسطينية للمنتجات الفلسطينية، ولغاية الآن لم نوفق في هذا الملف.
-الانتقال من الترويج لفكرة المدن الصناعية الفلسطينية كفكرة إلى تنفيذها من خلال إجراءات كفيلة بانجاحها والخروج بها من دائرة تكرار الاجتماعات واللقاءات بخصوصها دون جذب الاستثمارات إليها.
-ما زالت مشكلة منتجات الالبانت الفلسطينية عالقة بانتظار الخروج بقرار اللجنة المتخصصة التي شكلت مؤخرا لزيادة مدة صلاحية المنتجات الفلسطينية من الألبان بدلا من منح المدة الأطول للصلاحية لصالج المنتجات الإسرائيلية ومنحها قوة المنافسة في السوق الفلسطيني.
-غياب الوعي لدى غالبية المواطنين الفلسطينيين بخصوص أهمية دورهم في دعم وتشجيع المنتجات الفلسطينية على اعتقاد أن شيقلا وخمسة شواقل لا تصنع الفرق، اذن كيف تراكمت مشترياتنا من السوق الاسرائيلية حتى وصلت إلى ثلاثة مليارات ونصف المليار سنويا؟
عمليا لا ننكر ورغم هذه العوامل مجتمعة الا اننا استطعنا تحقيق بعض قصص النجاح المحفزة على استمرار في هذه المسألة:
-استطعنا التأثير على قرارات توصيف في بعض العطاءات باتجاه المنتجات الفلسطينية من خلال سلسة اجتماعات مع صناع القرار والمراسلات ومن خلال جمع صناع القرار مع الصناعيين في الجلسة ذاتها للاطلاع على المواصفات وجودة المنتجات الفلسطينية، وهناك مشاريع بالملايين تم تحويلها لصالح المنتجات الفلسطينية.
-كان قرار الحكومة الفلسطينية السابقة للحالية استجابة لسلسة مناشدات من طرفنا لاصدار قرار حكومي في العام 2011 بمنح الأفضلية للمنتجات الفلسطينية في العطاءات والمشتريات الحكومية على أساس مراعاة معايير الالتزام بالمواصفة الفلسطينية والجودة.
-عملنا مع القطاعات الصناعية الفلسطينية من أجل متابعة قضاياهم وطرحها بقوة أمام الوزارات وهيئات السلطة الوطنية الفلسطينية واظهرنا انحيازا واضحا للصناعة الفلسطينية خصوصا في مؤسسة الراصد الاقتصادي، وطرحنا هذا الملف بقوة على مختلف المستويات.
-كان لنا مبادرة مع ملتقى رجال اعمال نابلس في الراصد الاقتصادي حيث اصدرنا ( اعلان نابلس لدعم المنتجات الفلسطينية ) وأطلقنا مبادرة إعادة اعمار قطاع غزة من المنتجات الفلسطينية ومن المحاجر والكسارات الفلسطينية وهذا كان في العام 2009 عندما عقد مؤتمر المانحين من أجل إعادة اعمار قطاع غزة في شرم الشيخ آن ذاك.
-عملنا على ربط دعم المنتجات الفلسطينية بالبعد الوطني العام من خلال جعله جزءا من المساهمة في فعاليات مقاومة جدار الفصل والعزل والاستيطان ودعم الأسرى في سجون الاحتلال.
-استطعنا أن نربط دعم المنتجات الفلسطينية بمدى التزام الصناعة الفلسطينية بحقوق العمال والعاملين الفلسطينيين وتحسين اوضاعهم المعيشية وحقهم في التنظيم النقابي.
باختصار، نحن اليوم أمام مفصل تاريخي فالاقتصاد تعبير مكثف عن السياسة شئنا أم أبينا، والخيار لنا،  فإما تعميق التبعية بالاقتصاد الإسرائيلي وبالتالي يجب أن تكون جميع توجهاتنا وخططنا بهذا الاتجاه دون وجل أو حرج، ولا أعتقد أن هذا الخيار سيجد قبولا لدى الرأي العام الفلسطيني حتى لو كانت خيارات المستهلك المؤقتة باتجاه عدم الاقبال الواسع على المنتجات الفلسطينية، وإما الخيار الذي عملنا عليه ونعمل من أجله وهو ( التحرر الاقتصادي مقدمة للتحرر السياسي)، بالتالي فإن فك تبعية الاقتصاد الفلسطيني عن الاقتصاد الإسرائيلي عامل أساسي ومن مقومات إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهناك ضرورة لتعميق العلاقة الاقتصادية مع الاقتصاد العربي والإسلامي من خلال اتفاقيات التجارة الحرة وزيادة حجم التبادل التجاري مع الدول العربية.


•رئيس جمعية حماية المستهلك الفلسطيني
[email protected]
www.pcp.ps