الرئيسية » الاخبار »   05 آب 2012  طباعة الصفحة

تداعيات خطة التقشف الإسرائيلية فلسطينياً: طوق نجاة للسلطة من أزمتها المالية، ومزيد من الأعباء على المواطنين

 

 

كتب جعفر صدقة:
كشفت خطة التقشف التي أقرتها الحكومة الاسرائيلية مؤخراً عمق الأزمة في الاقتصاد الاسرائيلي. وان كانت هذه الخطة اتخذت لاعتبارات اسرائيلية بحتة، الا انها، وبحكم العلاقة بين الاقتصادين الفلسطيني والاسرائيلي، قد تشكل طوق نجاة للسلطة الوطنية من ازمتها المالية التي وصلت الى مستوى حرج، لكنها في المقابل ستضيف حملا جديدا الى المواطن الفلسطيني الذي ينوء اصلا بأحمال تكاد تقصم ظهره.
بروتوكول باريس الاقتصادي، الناظم للعلاقة الاقتصادية بين الطرفين، يجمع الاراضي الفلسطينية واسرائيل بغلاف جمركي واحد، مع هوامش بسيطة للسلطة استخدامها لا يترك فرقاً ذا مغزى في كلفة المعيشة، رغم الفارق الهائل بين معدلي دخل الفرد: 1600 دولار سنويا للفرد الفلسطيني مقابل نحو 30 ألف دولار سنوياً للفرد الاسرائيلي.
نحو 60% من إيرادات السلطة تجبيها اسرائيل وتحولها للسلطة نهاية كل شهر مقابل عمولة 3%، وهذه الايرادات تتكون من 3 عناصر من حيث النوع: ضريبة القيمة المضافة، وضريبة المشتريات، والرسوم الجمركية، وهي تأتي من 3 مصادر: صافي فواتير المقاصة على المشتريات الفلسطينية من اسرائيل، والرسوم الجمركية على الواردات الفلسطينية من الخارج عبر اسرائيل، والرسوم الجمركية على المحروقات، وهي جميعها ضرائب على الاستهلاك، بمعنى انها تحمل بشكل كامل للمستهلك بإضافتها الى سعر السلعة. 
وبينما تتمتع السلطة الوطنية بسقف مفتوح لزيادة هذه الضرائب، الا ان هوامش الخفض محدودة للغاية، وهي: 2% اقل من اسرائيل في ضريبة القيمة المضافة، و15% أقل في أسعار المحروقات، وهامش مفتوح فيما يتعلق بضريبة الشراء والرسوم الجمركية على السيارات، بمعنى ان قرار نسبة هاتين الضريبتين (الشراء والرسوم الجمركية) على السيارات تعود للسلطة الوطنية بشكل مطلق بغض النظر عن نسبتهما في إسرائيل.
حتى الآن تبلغ ضريبة القيمة المضافة في اسرائيل 16% وفي مناطق السلطة الوطنية 5ر14%، وهي نسبة تزيد بنصف بالمائة عن الهامش المتاح للسلطة.
اما ضريبة الشراء، فتبدأ بنحو 5% وترتفع الى اكثر من 500% على سلع اخرى، وتستهدف أساساً سلعاً تؤثر على الصحة والبيئة، كالسجائر، والسيارات، والبترول، وأجهزة الهاتف الخليوي، والمشروبات الكحولية، وبعض الاجهزة الكهربائية، بينما لا يوجد ضريبة شراء على بعض السلع الاساسية كالارز والسكر.
اما الرسوم الجمركية، فهي على الواردات من الخارج، فهي تفرض لدعم سياسات اقتصادية او صحية او بيئية، وتشمل كل السلع المستوردة تقريباً، وتصل على بعض السلع الى 200%، كما هو الحال على الواردات من المنتجات الزراعية بهدف حماية المنتج الزراعي المحلي.

الإجراءات الإسرائيلية وانعكاساتها على الاراضي الفلسطينية
تستهدف خطة التقشف الإسرائيلية جمع نحو 13 مليار شيكل سنوياً، وتشمل: زيادة بنسبة 1% في ضريبة القيمة المضافة لتصل الى 17% اعتباراً من مطلع ايلول القادم، وزيادة 1% في ضريبة الدخل على الشريحة بين 8880 شيكلا و41830 شيكلا، واقتطاع 2% من العائدات التي تتجاوز 67 الف شيكل، واقتطاع 750 مليون شيكل من ميزانيات الوزارات هذا العام، باستثناء الدفاع والتربية والشؤون الاجتماعية ودمج المهاجرين الجدد، واقتطاع اضافي بنسبة 3% من ميزانيات الوزارت العام المقبل.
وسبق اقرار هذه الرزمة ان رفعت اسرائيل الجمارك على السجائر بنسب تترواح بين 40 و50%، وعلى البيرة بنسبة 100%.
اضافة الى ذلك، فقد شملت رزمة الاجراءات الاسرائيلية الجديدة تعيين المئات كفاحصي ضرائب جدد للحد من التهرب الضريبي.
وفي مسعى منها لامتصاص حالة الغضب المتأججة أصلاً بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة في اسرائيل، استبقت وزارة المالية الاسرائيلية هذه الإجراءات باعلان خفض الجمارك على نحو 600 سلعة، تشمل سلعا غذائية وأجهزة كهربائية ومصنوعات نسيجية.
والسؤال: في اي من هذه الإجراءات ستتأثر الاراضي الفلسطينية، وهل التأثير سلبي أم إيجابي؟
الإجراءات الخاصة بضريبة الدخل لن يكون لها أي تأثير، اما الجمارك والقيمة المضافة، فإنها تنعكس فوراً على الاراضي الفلسطينية.
وبحسب المدير العام السابق للجمارك والمكوس في وزارة المالية، فؤاد الشوبكي، فان ضريبة القيمة المضافة سترتفع في الاراضي الفلسطينية بنفس القدر (1%)، لتصبح 5ر15%، كما ان الجمارك ارتفعت على جميع انواع السجائر، المحلية والمستوردة، بنفس النسبة (40% – 50%)، ترجمت الى زيادة في اسعار هذه السجائر على المستهلك بنسب تتراوح بين 15% و20%، باستثناء نوع واحد من السجائر المحلية "فيكتوري"، الذي يصنع من التبغ المحلي، حيث بقي سعره 10 شواكل.
كذلك، فان الجمارك على البيرة ارتفعت بنفس النسبة (100%)، ليترجم ذلك بارتفاع سعر العبوة بمقدار 5ر2 شيكل.
في المقابل، فان خفض الجمارك على 600 سلعة سينعكس فورا على الواردات الى الاراضي الفلسطينية ايضا، وبحسب الشوبكي، (نقل مساء الأربعاء من منصب مدير عام الجمارك والمكوس وعين مديرا عاما لهيئة البترول)، فان الجمارك على الملابس والاحذية الواردة من الصين الغيت تماما بعد ان كانت 12%، كما خفضت على سلع غذائية كالسكاكر والحلويات والمشروبات من 11 شيكلا مبلغا مقطوعا على كل كيلوغرام بغض النظر عن سعره في فاتورة الشراء من المصدر لتصبح 8% من سعر الفاتورة، في حين اكد الشوبكي ان لا رسوم جمركية اصلا على كثير من السلع الغذائية، وخصوصا السلع الاساسية كالارز والسكر والقمح، بينما بقيت الجمارك على المنتجات الزراعية كالالبان مرتفعة كما هي، لحماية المنتجات المحلية كما هو الحال في معظم دول العالم.

آلية جديدة للمقاصة بين السلطة وإسرائيل
تزامناً مع إقرار الحكومة الاسرائيلية لاجراءات التقشف، فقد توصلت السلطة الوطنية والحكومة الاسرائيلية الى تفاهمات حول آلية جديدة للمقاصة، هدفها الحد من التسرب الضريبي، وذلك بعد سنوات من مطالبة السلطة بهذا الخصوص.
في السابق، فان عائدات ضريبة القيمة المضافة على المشتريات الفلسطينية من اسرائيل، تعتمد على إظهار فواتير المقاصة، وبهذا المعنى فان السلطة تحصل الضريبة على ما تبرزه من فواتير تتسلمها من التجار، واية شحنة لا يسلم التاجر فاتورتها للسلطة فانها تبقى في الخزينة الاسرائيلية، الأمر الذي يضيع على خزينة السلطة مئات ملايين الدولارات سنوياً.
اما الرسوم الجمركية وضريبة الشراء على الواردات الفلسطينية من الخارج، فانها تحول تلقائياً الى السلطة، حيث تتسلم السلطة بياناتها الجمركية من المعابر الاسرائيلية عبر اجهزة الكمبيوتر مباشرة، ولا مجال للتلاعب فيها. 
وقال الشوبكي: في التفاهمات الجديدة، تم تجاوز العقبة الاساسية، الامر الذي يتيح ربط اجهزة الكمبيوتر في وزارة المالية الفلسطينية بدائرة الجمارك الاسرائيلية، ما يضمن وصول المعلومات عن الشحنات الواردة الى الاراضي الفلسطينية بشكل فوري.
وقال "بتطبيق التفاهمات الجديدة، يمكننا تتبع الشحنات الواردة الى الاراضي الفلسطينية منذ اللحظة الاولى، وهذا يسهل عملية الرقابة على التجار بشكل فوري ومحكم، فمعلومات الشحنة تصلنا فورا وبالتفصيل، ولا مجال امام التاجر للتهرب من تسليم فاتورة المقاصة للسلطة".
واضاف "كما تتيح التفاهمات الجديدة معلومات اشمل عن الشحنات، ليس فقط لاغراض مالية، وانما لاغراض احصائية ايضا".
كما تشمل التفاهمات الجديدة اقامة منطقة تخليص جمركي فلسطينية (بوندد)، ما يتيح للسلطة التخليص على السلع الواردة الى مناطقها، وخصوصا السيارات، بشكل مباشر، دون ان تتحمل عبء دفع عمولة بنسبة 3%.

الاثر المالي على السلطة
في جلسة المقاصة قبل الاخيرة، في اواخر حزيران الماضي، كانت الحصيلة حوالي 498 مليون شيكل (185 مليون شيكل عائدات الجمارك على الواردات من الخارج، و154 مليون شيكل صافي فواتير المقاصة، و159 مليون شيكل رسوم جمركية على المحروقات)، حول منها فعلا الى خزينة السلطة 402 مليون شيكل، بعد اقتطاع اسرائيل 96 مليون شيكل لشركات الخدمات الاسرائيلية (55 مليون شيكل لشركة الكهرباء، و16 مليون شيكل لشركة المياه، و15 مليون شيكل لمؤسسات صحية، و10 ملايين شيكل ثمن خدمات مجاري ونفايات).
وبتطبيق الاجراءات الجديدة، يتوقع زيادة عائدات فواتير المقاصة مع اسرائيل بحوالي 750 مليون شيكل سنويا نتيجة الحد من التسرب في فواتير المقاصة، و120 مليون شيكل زيادة في رسوم الجمارك على السجائر، اضافة نحو 200 مليون شيكل سنوياً نتيجة زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، علماً ان عائدات هذه الضريبة في العام 2011 (على اساس نسبة 5ر14%) بلغ حوالي 3ر2 مليار شيكل (3ر677 مليون شيكل جباية محلية، و1ر1620 مليون شيكل حصة ضريبة القيمة المضافة من عائدات المقاصة مع اسرائيل).
الهدف المعلن لاجراءات التقشف التي اعتمدتها السلطة الوطنية هو توفير نحو 350 مليون دولار لسد الفجوة بين اجمال العجز الجاري (1ر1 مليار دولار) وما يتوقع وصوله من مساعدات خارجية للخزينة (750 مليون دولار)، وبهذا المعنى، فان الزيادة المتوقعة في الايرادات نتيجة ارتفاع ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية على السجائر وتطبيق التفاهمات الجديدة بشأن المقاصة، كفيلة بتحقيق الوفر اللازم لسد هذه الفجوة.

الخلل في النظام
الضريبي يتعمق
قبل اشهر، اعلنت السلطة الوطنية عن جملة من الاجراءات بهدف خفض العجز في الموازنة العامة للسلطة، الذي يقدر بنحو مليار دولار للعام 2012، لعدم ورود ما يكفي من مساعدات خارجية لتغطية هذا العجز بالكامل، وبضمن هذه الاجراءات اضافة شريحتين جديدتين الى الشرائح الموجودة اصلا في قانون ضريبة الدخل، هما 5ر22% و30%، تخص ذوي الدخول التي تزيد على 125 الف شيكل والشركات، وكانت حجة الحكومة في ذلك، وهي محقة، ان 94% من الايرادات العامة تأتي من الضرائب غير المباشرة (الضرائب على الاستهلاك)، في حين ان حصة الضرائب على الدخل والارباح لا تزيد على 6%، ما يعني ان العبء الضريبي تتحمله اساسا الشرائح الاضعف والاقل قدرة على الدفع، وهو نظام يفتقر الى العدالة.
غير ان خطة الحكومة لزيادة ضريبة الدخل على الشرائح العليا والشركات قوبلت بموجة احتجاجات غير مسبوقة، شاركت فيها فئات مختلفة، بعضها عن وعي تام بمصالحها، واخرى انساقت وراء التحريض وانخرطت في موجة الاحتجاجات رغم انها مستفيدة من تعديل القانون، وفي المحصلة اضطرت الحكومة الى التراجع والاكتفاء باضافة شريحة واحدة (20%)، مست الشركات والافراد الذين تفوق دخولهم 170 الف شيكل، في حين وسعت نطاق الاعفاءات الضريبية للشرائح الاخرى. 
وفي وقت سعت الحكومة الاسرائيلية الى تحقيق نوع من التوازن في اجراءات التقشف التي اتخذتها، بزيادة ضريبة الدخل على الشرائح العليا في مقابل زيادة ضريبة القيمة المضافة (التي يتحملها اساسا عامة الناس من ذوي الدخول المحدودة والفقراء)، الا ان السلطة الوطنية مجبرة، بحكم قواعد بروتوكول باريس الاقتصادي، على تطبيق الزيادة في الضرائب غير المباشرة (جمارك، وقيمة مضافة)، دون ان تكون قادرة على تحقيق التوازن المطلوب بزيادة الضريبة على الدخل والارباح، بسبب القدرة التي اظهرها القطاع الخاص وبعض الفصائل على تحريض الشارع على الاحتجاج، وبذلك، فاننا امام نظام ضريبي اكثر اجحافاً من ذي قبل.