الرئيسية » البيانات صحفية »   01 كانون الثاني 2013  طباعة الصفحة

تحليل آليات حماية المستهلك في ظل الخداع والغش التسويقي، حالة الجزائر د. الداوي الشيخ أستاذ محاضر بكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير- جامعة الجزائر


مقدمة.

تمتد معاناة المستهلك من أساليب الغش والخداع  لفترات طويلة وفي أزمنة مختلفة، وهذا من خلال السلع والخدمات المقدمة له، والتي كانت تبدو في ظاهرها السعي نحو خدمته وإشباع حاجاته ورغباته، ولكن في حقيقتها كانت تهدف إلى استغلاله وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح؛ وقد استفحل هذا الأمر إلى درجة نبهت الكثير من الأفراد والجماعات والهيئات الرسمية منها أو غير الرسمية إلى ما يعانيه المستهلك من استغلال فاحش وغش تسويقي كبير، وما يترتب على ذلك من أضرار مادية ومعنوية؛ كما دفع ذلك المهتمين بالتسويق إلى لعب دور هام في هذا الشأن بما قدموه من توجيهات وتوصيات تكفل حماية المستهلك في تعامله مع منتجي وموزعي السلع والخدمات.

ومن ناحية أخرى، تقوم كثير من المؤسسات و المنظمات بترويج وبيع سلع غير صحية مثل الأغذية المشبعة بالدهون والمعالجة بالمواد الحافظة الضارة، والحلوى المحتوية على نسبة عالية من السكر، خاصة للأطفال، والمشروبات الكحولية والدخان، فضلا عن السلع الضارة بالبيئة والخطرة على الصحة، والسلع التي لا تحتوي على الحد الأدنى من السلامة أثناء الاستخدام كما وأن هنالك الكثير من السلع المبرمجة والمصممة على أساس سرعة العطب والتلف لتقصير عمرها الإنتاجي، مثل بعض الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، مما يجبر المستهلك على استبدالها أو صيانتها بزمن قصير جدا، وهذا يسبب استنزاف لموارد المستهلك الاقتصادية، ومن الواضح أن بطلان الاستعمال السريع المخطط مسبقا يؤدي إلى تراجع الرفاه الاقتصادي لأفراد المجتمع على المدى الطويل. ويتعرض التسويق الحديث إلى انتقادات عديدة من حيث محاولة خلق حاجات اصطناعية وطموحات وقيم استهلاك مادية لا ضرورة لها فالنظام التسويقي الحديث يحفز قيم وثقافة استهلاك مادية، بحيث يتم الحكم على الناس من خلال ما يمتلكونه وليس من خلال ما يمثلونه كأشخاص.  

وبما أن قضايا المستهلك كثيرة ومتشعبة ومتنوعة- وأحيانا معقدة- وتختلف أولوياتها من دولة إلى أخرى فقد حددت منظمة الأمم المتحدة منذ عام 1985 تاريخ 15 مارس من كل سنة كيوم عالمي للمستهلك، يتم فيه تناول حقوق المستهلك بالنسبة للغذاء، الصحة، البيئة، المعرفة ...الخ، والتي تعبر في جوهرها عن حقوق الإنسان.

بعد هذا التمهيد لإشكالية الدراسة وأبعادها الفكرية والتاريخية، يمكن طرحها في الأسئلة الجوهرية التالية:

ما هي فلسفة حماية المستهلك؟ وما هي الأوجه التي تمثل إخلالا بحماية المستهلك؟ ثم ما هي الآليات المختلفة التي يمكن اعتمادا لتأمين حماية المستهلك؟

وتتمثل أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على موضوع في غاية الأهمية، ألا وهو حماية المستهلك، فالتحديات الراهنة التي تفرضها ظاهرة العولمة أفرزت أثارا في أغلبها هي سلبية على المستهلك، خصوصا في وطننا العربي، مما نتج عنها تهديد لسلامته وصحته، وكذا مصالحه المادية؛ الأمر الذي يقودنا إلى تشخيص كل ما يتعرض له المستهلك، والبحث في الآليات التي تكفل له حق الحماية.

بينما تهدف الدراسة إلى تحليل مفهوم حماية المستهلك من خلال التعريف بهذا المفهوم، وعرض أهداف وأبعاد هذه الحماية، ثم تسليط الضوء على الجوانب التي تمثل إخلال بمبدأ الحماية، مع تقديم الآليات التي تحافظ على حماية المستهلك من الغش والخداع التسويقي الذي يمكن أن يمارس عليه؛ وأخيرا تهدف الدراسة إلى عرض حالة الجزائر.

أولا:- تحديد ماهية حماية المستهلك.

توجد عدة إسهامات في مجال تعريف مفهوم حماية المستهلك، من بينها:

1- يعرف هذا المفهوم على أنه:" حفظ حقوق المستهلك وضمان حصوله عليها".[1]

يشير هذا التعريف إلى أن حماية المستهلك تتضمن الإقرار بوجود حقوق للمستهلك، ويجب أن تبذل كل المجهودات لتأمين الاستفادة منها.

2- هناك تعريف أخر لهذا المفهوم يتمثل في أن حماية المستهلك:" عبارة عن خدمة توفرها الحكومة أو المجتمع المدني لحماية المستهلك من الغش التجاري أو استغلاله أو سوء تقديم خدمة ما عن طريق الاحتكار أو الخضوع لظروف معينة".

إذا نستنتج من هذا التعريف أن هذا المفهوم يجسد عملية تفعيل حماية المستهلك مما يقدم له من سلع وخدمات قد تلحق به أضرارا صحية، أو اقتصادية، أو اجتماعية سواء أكان على علم بهذا الضرر أو لم يكن مدركا له.

ويرتبط بمفهوم حماية المستهلك مفهوم أخر هو حركة المستهلكين، والتي يعرفها( Kotler ) على أنها:" حركة اجتماعية تعمل على زيادة وتدعيم حقوق المشترين في علاقاتهم بالبائعين".[2]

بمعنى أن هذه الحركة تمثل ذلك الفعل الاجتماعي المنظم من طرف المستهلكين، والذي يهدف إلى تجسيد حق الاستماع لهؤلاء المستهلكين، وضمان استعادة حقوقهم التي تم الإخلال بها من قبل الأطراف الأخرى في التبادل، مما سبب لهم نقص في الإشباع.

ثانيا:- التطور التاريخي لفلسفة حماية المستهلك.

يعتبر ظهور الحركات المدافعة عن حقوق المستهلك كرد فعل للإهمال والقصور في متابعة حقوقه، الذي يعد أغلى أصول المؤسسات والمنظمات من المنظور التسويقي المعاصر، ومن ثم فقد طغت هيمنة المنتجين على فلسفة النشاط التسويقي؛ فكان لزاما وجود من يدافع عن حقوق المستهلك أمام الفاعلين المهيمنين على العملية التسويقية، فجاءت حركة حماية المستهلك لتلعب هذا الدور.

وتجدر الإشارة إلى أن حركة حماية المستهلك ظهرت أول ما ظهرت في القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ظهرت فكرة جمعية المستهلك في الثلاثينات من القرن الماضي وتبلورت في الخمسينات من نفس القرن؛ ومن جانب أخر فقد تم إصدار أول مجلة تحت عنوان تقارير المستهلكين، معبرة عن نتائج الاختبارات العلمية المتعلقة بجودة السلع الاستهلاكية الجديدة، ومقارنة أسعارها، ومساعدة المستهلك قدر الإمكان.[3]

ويمكن تتبع التطور التاريخي لظهور هذه الحركة التي تولت مهمة الدفاع عن حقوق المستهلك، من خلال تحليل المراحل التالية:-[4]

1- مرحلة الأولى:( 1900- 1930).

تعتبر بداية سنة 1900 بمثابة التاريخ الذي شهد أولى بدايات حركة الدفاع عن المستهلك، نظرا لما تعرض له المستهلكين في هذه الفترة من استغلال من خلال الارتفاع الواضح في أسعار السلع المقدمة لهم؛ الأمر الذي دفع المستهلكين إلى اعتماد أشكال وصيغ جديدة في إدارة التعامل المؤسسات المسوقة للسلع، بما يضمن تلبية حاجاتهم ورغباتهم من السلع بالشكل الذي اعتادوا عليه.

2- مرحلة الثانية:( 1930-1950).

بدأت حركة حماية المستهلك في هذه المرحلة تأخذ ملامح واضحة نظرا للظروف الصعبة التي عايشها المستهلك آنذاك، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية( أزمة الكساد) التي شهدها العالم في سنة 1929؛ فقد ظهر للعيان العجز الكبير للمستهلكين تجاه تلبية حاجاتهم ورغباتهم من المنتجات بسبب تراجع قدرتهم الشرائية إلى مستويات دنيا.

كما ازدادت معاناة المستهلكين سوءا بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، نظرا لمحدودية حصولهم على ما يحتاجونه من سلع وخدمات.

3- المرحلة الثالثة( 1950- 1962).

هناك من يرى بأن بداية هذه المرحلة( أي سنة 1950) تمثل التاريخ الحديث لتأسيس ونشأة حركة حماية المستهلك في الدول الغربية، وهذا من خلال بروز وظهور عدة مجموعات ضاغطة وقوى اجتماعية تنادي بوضع حد ونهاية للآثار السلبية الناتجة عن تفعيل النشاط الصناعي والتسويقي للمؤسسات ومنظمات الأعمال بمختلف أنواعها، والتي عادت بالضرر الجسيم على المستهلكين؛ ومن ثم كثفت هذه الحركة أكثر فأكثر من جهودها تجاه تحقيق هدفها الرئيس، ألا وهو الدفاع عن حقوق المستهلكين، والعمل على حمايتهم، والحد من الأضرار التي تصيبهم.

4- المرحلة الرابعة( 1962 إلى الآن ). 

يرى كثير من الكتاب ومنهم(Kotler, Armstrong, Engel  ) أن سنة 1962 تعد بمثابة الانطلاقة الرسمية لنشأة الحركة الاستهلاكية( Consumérisme )، حيث جاء هذا التأسيس انعكاسا للرسالة التي تقدم بها الرئيس الأمريكي آنذاك( جون كنيدي)، والتي عرفت بـ" قائمة حقوق المستهلك"؛[5] هذه القائمة أصبح ينظر إليها في العالم الغربي على أنها التجسيد الحقيقي للمعاني السامية التي تتشبع بها تلك الحركة.

ويكمن الهدف الرئيس لهذه الحركة الاجتماعية في تثبيت وترسيخ حقوق المستهلكين سواء أكانوا أفرادا أو جماعات، وترسيخ مفهوم المسؤولية الاجتماعية في الممارسات التسويقية للمؤسسات والمنظمات تجاه المستهلكين؛ ففي بعض الأحيان يهمل المسوقون حقوق المستهلكين، وهذا من خلال تناسي الالتزام بمبدأ تعظيم التصرفات الإيجابية والحد من التصرفات السلبية تجاه المستهلك، أي عدم الأخذ بعين الاعتبار المسؤولية الاجتماعية في الممارسة التسويقية.

ثالثا:- تحليل حقوق المستهلك.

تهدف الحركات المهتمة بحماية المستهلك إلى تطوير المستوى المعيشي للأفراد كما وكيفا في إطار عالم يفترض أن يتميز بعلاقات تسويقية شفافة تتيح للمستهلكين من الحصول على حاجاتهم ورغباتهم من السلع والخدمات دون تحمل تكاليف كبيرة من حيث الجهد؛ الأمر الذي يتطلب من الأطراف التي تشكل الطرف الأخر من المعادلة ونقصد بهم المنتجين والبائعين أن يمارسوا مهامهم وفق قواعد صحيحة بما يؤدي إلى حصول المستهلك على كامل حقوقه، دون تعرضه بأي حال من الأحوال إلى الغش أو الخداع التسويقي.

سنتناول فيما يلي الحقوق الرئيسة للمستهلك، والتي أعلن عنها بداية الرئيس الأمريكي الأسبق( John Kennedy ) في 15 مارس 1962، إضافة إلى الحقوق التي أقرتها الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة بقرارها رقم( 39/ 248) بتاريخ 15 أفريل 1985؛ الحقوق الأربعة الرئيسة الأولى تتمثل فيما يلي:[6]

1- حق الأمان: أي حق المستهلك في الحماية من السلع والخدمات، وعمليات الإنتاج التي يمكن أن تحدث له أضرارا فيما يتعلق بصحته وسلامته؛ وبتعبير أخر فإن هذا الحق يعني أن المنتج لم يعد يمارس نشاطه الإنتاجي والتسويقي فقط في إطار المساءلة القانونية، بل يضاف إلى ذلك أن أداءه يتم تحت قيد المسؤولية الاجتماعية تجاه المستهلك.

2- حق المعرفة: ونعني بذلك حق المستهلك في الحصول على المعلومات، مما يستلزم من المنتجين توفير الظروف الملائمة التي تمكن المستهلكين من حيازة المعلومات الكافية عن المنتجات، ويكونوا قادرين في الوقت نفسه على القيام بعملية المقارنة بين ما يعرض  عليهم من سلع وخدمات وتقويمها؛ كل هذا يمكن المستهلك في النهاية من امتلاك الحق الذي يقيه من الوقوع في فخ عمليات التضليل والاحتيال والغش والخداع التسويقي التي يمكن أن تمارس عليه بواسطة الإعلانات الكاذبة أو عن  طريق العلامات التجارية، أو من خلال وسائل تضليل أخرى؛ وترتبط فعالية حصول المستهلك على هذا الحق والاستفادة منه، بمسألتين همامتين هما: كفاية المعلومات، ومصداقية المعلومات.[7]

3- حق الاختيار: ويقصد تمتع المستهلك بحق الاختيار أثناء عملية التبادل، وعدم إجباره على ما لا يرغب فيه، أي يجب أن تتاح له فرصة الاختيار ما بين المنتجات التي يحتاجها ويرغب في شرائها في إطار ظروف تنافسية عادلة، ووفقا لأسعار تنافسية ملائمة لدخله، وألا يقع المستهلك رهينة لسيادة حالة الاحتكار في السوق من طرف البائعين، لأنه عندئذ يكون قد فقد حق الاختيار.

4- حق المستهلك في إسماع رأيه: يترجم هذا الحق في تمكين المستهلك من إبداء رأيه فيما يخص المنتجات المعروضة، خاصة إذا كانت معرضة لاحتمالات التقادم والتلف، أو تسبب له أضرارا صحية؛ كما يتضمن هذا الحق بأن يكون للمستهلك ممثلين لدى الجهات الحكومية وغير الحكومية يكفلون له تلبية طلباته عند الشروع في سياسة تطوير المنتجات، ويضمنون له اتخاذ الإجراءات التصحيحية الملائمة في حالة وجود خروق لحقوقه.   

أما بالنسبة لحقوق المستهلك التي أضافتها منظمة الأمم المتحدة إلى الحقوق الأربعة السابقة، فيمكن تلخيصها فيما يلي:[8]

1- حق المستهلك في إشباع حاجاته الأساسية.

2- حق المستهلك في الحصول على تعويض ملائم.

3- حق المستهلك في التثقيف.

4- حق المستهلك في الحياة في بيئة سليمة.  

 

 

رابعا:- تحليل أهداف حماية المستهلك.

يمكن حصر مجموعة من الأهداف تبنتها حركة حماية المستهلك، وتناضل من أجل الدفاع عنها، وهي مرتبطة بما يتعرض له المستهلك من خداع وغش في الأسواق؛ من أهم هذه الأهداف نجد ما يلي:[9]

1-              التكفل بحماية المستهلكين من أساليب الغش والخداع الممارس عليهم من طرف المنتجين أو الوسطاء أثناء إتمام عمليات التبادل في إطار العمليات البيعية.

2-              الالتزام بضمان حقوق المختلفة المستهلكين، وحمايتهم من مختلف أشكال وصور التلاعب الممكن حدوثه في السلع والخدمات التي يحتاجونها ويرغبون فيها.

3-              تأمين وتقديم المساعدة الممكنة لفئات الدخل المحدود، وتمكينهم من الحصول على السلع والخدمات التي يحتاجونها.

4-              تفعيل التنسيق والتعاون مع منظمات الأعمال من أجل تمكينها من المعلومات التي تخص المستهلكين، والتي قد لا تتاح لتلك المنظمات، نظرا لضعف قدراتها في الاتصال.

خامسا:- أبعاد حماية المستهلك.

تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الحماية لا يتضمن الفرد فقط بل يشمل في الوقت نفسه المجتمع، حيث أن حماية المستهلك في حد ذاته هي حماية للمجتمع وضمانا لحقوقه؛ وعليه تكون الحماية الوقائية للمستهلك أكثر فعالية من الحماية العلاجية بعد وقوع الضرر؛ وعادة للحماية بعدان:[10]

1- حماية المستهلك من نفسه.

وذلك نتيجة تعمده القيام باستهلاك أو استعمال منتج ما مع علمه التام بالأضرار الناجمة عن هذا الاستهلاك مثل الأضرار الصحية الناتجة عن التدخين، أو استهلاك بعض المنتجات الممنوعة قانونا؛ كذلك حمايته من نفسه جراء جهله بالمنتجات، أو بكيفية استعمالها بالرغم من تضمينها البيانات على الغلاف، أو تهاونه في المطالبة بحقوقه عند إخلال المنتج أو الموزع بأي شرط من شروط عقد البيع، أو شرائه لبعض السلع غير المطابقة للمواصفات مع علمه بذلك بسبب انخفاض سعرها...الخ.

2-  حمايته من أطراف أخرى.

 حيث توجد عدة أطراف قد تؤدي عن قصد أو غير قصد الإضرار بمصالح المستهلك كمقدمي السلع  أو الخدمات، حيث يلجأوون إلى استعمال أساليب الغش والخداع في تركيبة مكونات المنتجات المقدمة إلى المستهلك؛ كما قد تتعدد هذه الأساليب إلى تضليله عن طريق إيهامه وإقناعه بأهمية السلع والخدمات المقدمة باستخدام عدة وسائل مثل الاتصال المضلل، أو الاتصال الشخصي، أو عدم تناسب الضمان الممنوح مع طبيعة استعمال المنتجات....الخ.

كما تمتد هذه الحماية لتشمل الوقوف ضد ارتفاع أسعار السلع والخدمات المقدمة إلى المستهلك، بالإضافة إلى حمايته من معضلة الاحتكار وحجب السلع عنه بغية تخزينها وبيعها له بأسعار مرتفعة...الخ.

سادسا:- مجالات الإخلال بحماية المستهلك.

توجد عدة مجالات يتم من خلالها الإخلال بحماية المستهلك منها:

1- الإعلان: وذلك من خلال انتهاج أساليب الخداع في الرسالة الإعلانية لغرض تضليل المستهلك والعمل على إقناعه بشراء منتج ما، وهذا بالتركيز على مختلف أساليب الإغراء المكتوبة في الإعلان، وإثارة التصرفات الانفعالية غير الرشيدة التي تؤثر على أذواق المستهلكين؛ مثلما حدث في فترة التوجه البيعي للتسويق.

   في هذا المجال نشرت المديرية العامة لصحة وحماية المستهلك التابعة للجنة الأوروبية دليلا يحوي عشرة توصيات، شددت  في ثمانية منها على الخصوص على منع تغليط والقيام بالإشهار الكاذب: كان تتصل مؤسسة بمستهلك ما مدعية أنه تحصل على جائزة، ويتضح فيما بعد أن الغاية كانت فقط إقناعه بتقديم طلبيات، وأعتبر الدليل هذا نموذجا على الإشهار الكاذب.[11]

كما مثلت القضايا ذات العلاقة بالإشهار الكاذب( 12  %) من إجمالي الشكاوى المرفوعة إلى المديرية المعنية( المديرية العامة للمستهلك والمنافسة و قمع الغش) بفرنسا سنة 2006، وشكلت بذلك النسبة الأعلى من إجمالي الشكاوى.[12]

2- الضمان: وهو الحق الذي يضمن للمستهلك أداء المنتج، ومستوى هذا الأداء بما يتناسب مع قيمته؛ ومن ثم فإن عدم منح هذا الضمان- وهو ما نراه في حالات كثيرة في الدول المتخلفة- أو عدم استيفائه للشروط الضرورية مثل المدة الكافية للتأكد من عدم ظهور ووجود عيوب، يعتبر وجه من أوجه الإخلال بحماية المستهلك، نظرا لأن مقدم المنتج في هذه الحالة قد تنصل من مسؤوليته تجاه السلعة المباعة أو الخدمة المقدمة.

3- التبيين: ونقصد بذلك أن المستهلك يعاني نتيجة لعدم معرفته أو جهله استعمال المنتج المقدم له نظرا لخلو هذا المنتج من وجود البيانات الدالة على كيفية استخدامه، أو بسبب عدم قدرة المستهلك على المعرفة أو الإلمام بكيفية الاستفادة من البيانات إن كانت موجودة؛ يضاف إلى ذلك مشكل الثقة في دقة ما يكتب على غلاف المنتج من بيانات.

4- السعر: وهو مشكلة يعاني منها المستهلك ذو الدخل المحدود، وقد استغلت الكثير من المؤسسات قوتها في الأسواق وفرضت أسعار لا تتلاءم مع القدرة الشرائية للمستهلك، وهو ما نلاحظه حاليا خاصة في الدول العربية، حيث هناك مغالاة كبيرة في رفع أسعار السلع والخدمات، تذرعا بالأزمة المالية العالمية؛ وينتج هذا الإخلال بحماية المستهلك عادة عندما تحتكر فئة معينة تسويق السلع والخدمات، الأمر الذي يتيح لها إمكانية فرض أسعار سوقية تفوق الإمكانات المالية للمستهلك؛ كما تندرج طرق البيع بالتقسيط، أو التخفيضات الصورية أحيانا في خانة التحايل على الأسعار.

5- التوزيع: يتم الإخلال في هذه الحالة بحماية المستهلك من خلال توزيع المنتجات في أماكن بعيدة عن متناول المستهلك، مما يضطره إلى بذل جهد جسدي ونفسي لإشباع حاجته ورغبته؛ بالإضافة أيضا إلى عدم عرض المنتجات في الوقت المناسب، أو التمييز بين المستهلكين من حيث إمكانية الحصول على الكميات والأصناف الموزعة.

6- التعبئة والتغليف: يمكن أن نلحظ الإخلال بمبدأ حماية المستهلك من خلال هذا العنصر باستخدام بعض المواد غير الملائمة صحيا في تغليف المنتجات وخاصة الغذائية منها، أو تستخدم عبوات غير ملائمة للتعبئة كتلك المصنوعة من مواد قابلة للصدأ أو استخدام عبوات غير نظيفة...الخ؛ كل ذلك يكون سببا في الأضرار الناتجة عن ذلك الاستعمال، فبعض مواد العبوات قابلة للتفاعل مع مركبات المواد الغذائية، مما يترتب عنه وجود مواد سامة تضر بصحة المستهلك.

7- المقاييس والأوزان: ونقصد بذلك الغش في الأوزان والتلاعب في المقاييس المقررة للمنتجات، فالنقص في الأوزان وفي الأحجام والأطوال يسبب ضررا للمستهلك خاصة عندما تكون الأسعار مرتفعة.

8- مواصفات المنتجات: قد يعمد بعض المنتجين إلى الإخلال بحماية المستهلك عن طريق مواصفات المنتجات من وزن ولون وشكل...الخ، فعدم مطابقة مكونات المادة التي تحتويها العبوة نتيجة لإضافة مواد أخرى عليها يعتبر إخلالا بحماية المستهلك، يصاف إلى ذلك الغش الذي يتعرض له المستهلك من خلال لجوء بعض المنتجين؛ ويدخل أيضا في هذا الإطار تضليل المستهلك من خلال اللجوء إلى استعمال علامات تجارية وهمية مثلما هو الحال في بعض المنتجات الكهرومنزلية، والملابس، ...الخ، حيث يجد المستهلك نفسه أمام علامات تجارية غير حقيقية لمنتجات معروفة في السوق.

9- التخزين: يمكن أن نقف على حجم الضرر الذي قد يلحق بالمستهلك في هذه الحالة من خلال التلف والتقادم الذي يعتري المواد بسبب أخطاء التخزين، فقد يحدث الضرر نتيجة لتخزين بعض المنتجات وتركها لفترات طويلة حيث تتجاوز فترة صلاحيتها للاستعمال...الخ؛ حيث يترتب على ذلك وجود حالة عدم التوازن بين القيم والمنافع الاقتصادية التي يحصل المستهلك من المنتجات المتضررة وبين الغرض الذي اشتريت من أجله.

10- النقل: يلعب النقل دورا هاما في إشباع الحاجات والرغبات، إلا أنه أحيانا يتسبب في حدوث أضرارا صحية واقتصادية بالمستهلك عندما تستخدم مثلا وسيلة نقل غير ملائمة كأن تكون مخصصة لنقل مادة معينة ولكن توجه لنقل مادة أخرى غير ملائمة لنقلها، مثل تخصيص وسائل نقل لمنتجات غذائية كان قد استعملت في نقل مواد كيماوية قبل ذلك.

وينطبق الشيء نفسه على نقل المواد المجمدة في وسائل نقل لا تتوفر على شروط التبريد، فلا يخفى على أحد مدى حجم الضرر الذي يلحق بالمستهلك في هذه الحالة جراء استعمال هذه المواد بعد تجميدها للمرة الثانية مثلما هو الحال في حالة اللحوم على سبيل المثال.

سابعا:- الأطراف المسؤولة عن حماية المستهلك.

إذا بناءا على ما سبق يجب حماية المستهلك، وتقع مسؤولية حماية المستهلك على الحكومة، الأفراد، جمعيات حماية المستهلك، والمؤسسات المنتجة أو الموزعة.

1- الحكومات.

منذ أن تنامت الحركات التي تتكفل بمهمة حماية المستهلك والدفاع عن مصالحه زاد دور الحكومات في الدول المختلفة في لعب أدوار هامة تصب في تجسيد هذا الهدف، وهذا انطلاقا من مسؤوليتها عن حماية مواطنيها في المجالات المختلفة.

ويمكن تلخيص أهم هذه الأدوار في ضمان حقوق مواطنيها في الحصول على البيانات والمعلومات دون تضليل، وضمان حقه في الاستماع إلى انشغالاته وانتقاداته...الخ؛ ويتم التكفل بهذه القضايا وغيرها التي تصب في حماية المستهلك من خلال تفعيل عمل الأجهزة الحكومية التالية:

أ- الأجهزة القانونية في الوزارات: وهي ذات العلاقة بموضوع الحماية، والتي تتولى الإشراف على وضع وصياغة القرارات التي تكفل حماية المستهلك، وإجراءاتها الخاصة في حالة حدوث إخلال بهذه الحماية.

ب- الأجهزة الإشرافية والرقابية: وهي التي يتجسد دورها في عملية الإشراف والرقابة تجاه موضوع الإخلال بحماية المستهلك؛ حيث يمتد مجال عملها إلى رقابة الممارسات التسويقية للمنتجين والبائعين والموزعين، بالإضافة إلى الاضطلاع بدور الإشراف على إجراء بحوث التسويق والمتضمنة لمجالات: السوق، المستهلكين، الأسعار، الترويج، والتوزيع.

كما يمتد الدور الرقابي لهذه الأجهزة إلى كل ما يرتبط بعملية التبادل مثل كفاية الضمانات الممنوحة للمستهلك، وجودة المنتجات المباعة، وصلاحيتها للاستعمال....الخ.

ج- الأجهزة القضائية: ويتمثل دورها في مسألة الفصل في القضايا المتعلقة بحماية المستهلك، غير أن ما يلاحظ عند تقييم فعالية الأجهزة القضائية هو البطء في الفصل في مثل هذه القضايا، بالإضافة إلى عدم وجود محاكم خاصة بقضايا حماية المستهلك، فهي حاليا تعالج ضمن المخالفات التجارية.

2- الأفراد.

يلعب الأفراد سواء أكانوا أفرادا أم جماعات دورا هاما في تفعيل الحماية من منطلق أنهم أصحاب المصلحة الأولى؛ ويمكن لعب هذا الدور الفعال في الحماية من خلال التنظيمات المختلفة التي يعملون ضمنها، مما يتيح كشف الممارسات التسويقية التي تقود إلى الإخلال بحماية المستهلك.

3- جمعيات حماية المستهلك.

إذا أردنا أن نحلل دور جمعيات حماية المستهلك في هذا المجال فيمكن القول أن هذه الجمعيات تلعب دورا هاما في حماية المستهلك وهذا من خلال القيام بمجموعة من المهام مثل ربط قضايا المستهلك بظروف المجتمع للتعرف على الطاقات، حث ودفع المؤسسات الرسمية والهيئات المتخصصة إلى سن قوانين تحمي المستهلك، التوعية ونشر ثقافة الاستهلاك، والتركيز على القضايا التي تحظى بأكبر اهتمام لدى المجتمع وهي: الغذاء، تلوث الهواء، الاتصالات، التدخين....الخ.

فبالنسبة لقضية الغذاء- على سبيل المثال- ينبغي العمل على سن قانون لسلامة الغذاء من المنتج حتى مائدة المستهلك؛ أيضا بالنسبة للاتصالات يجب تطوير هذا القطاع وتعظيم استفادة المواطنين منه، فالاتصالات هي إحدى أعمدة الاقتصاديات الحديثة، ولا مجال لتطوير الاقتصاد دون تطوير الاتصالات وتخفيض تكلفتها؛ وهناك عدة مؤشرات في هذا المجال، منها نسبة المتصلين بالانترنت، الهاتف النقال، الهاتف الثابت...الخ؛ ونلاحظ بالنسبة للجزائر أن هذا القطاع يشهد نموا سريعا، وهذا بسبب الانخفاض النسبي في تكاليف خدمات الاتصال الناتجة بدورها عن المنافسة وكسر الاحتكار.

4- أجهزة الإعلام.

تؤدي أجهزة الإعلام بمختلف أنواعها دورا هاما في تأمين الحماية للمستهلك، وهذا من خلال توعية الجماهير فيما يخص حقوقها ومصالحها، إضافة إلى دفاعها عن هذه الحقوق من منطلق أنها تدخل ضمن القضايا الاجتماعية، حيث نجد أن البرامج الإعلامية تهدف إلى المساهمة في معالجة مثل هذه القضايا الحساسة بالنسبة للمجتمع  ككل عن طريق توعية المستهلكين بما يتيح لهم إدراك حقوقهم وواجباتهم.

     

ثامنا:- آليات حماية المستهلك من الغش والخداع التسويقي.

توجد مجموعة من الآليات تكفل توفير الحماية للمستهلك من الغش والخداع التسويقي الممارس عليه من قبل الأطراف التي تتعامل معه في إطار عملية التبادل، وهذا بما تتضمنه هذه الآليات من إجراءات تقود في النهاية إلى حصول المستهلك على التعويض المناسب والكافي في حالة وجود عيوب في تصميم ما قدم له، أو في حالة التضليل فيما يتعلق بالمعلومات الخاصة بمستوى جودة المنتجات موضوع التبادل، إلى غير ذلك من الانتهاكات التي قد يذهب المستهلك ضحية لها؛ ومن بين أهم هذه الآليات التي يمكن أن تكفل حماية المستهلك نجد ما يلي:

1-  دور الآليات التسويقية في حماية المستهلك.

يتمثل دور الآليات التسويقية بالنسبة لحماية المستهلك في النقاط التالية:[13]

أ- تفعيل أساليب توعية المستهلك عن طريق الإرشاد والتوجيه بما يكفل حمايته، وصيانة حقوقه؛ وفي هذا الإطار يبرز الترويج كأحد أقوى هذه الأساليب تأثيرا في تحقيق هدف نشر الوعي والثقافة بين المستهلكين( باعتباره أداة اتصال مباشر وغير مباشر)؛ وعليه لكي نضمن تحقيق الفعالية في أداء هذه الوسيلة من حيث التأثير ينبغي أن تصاغ وتصمم الرسالة الترويجية بصورة جيدة.

ولكي يؤدي الترويج دوره المخطط في حماية المستهلك، يجب أن تتوفر مجموعة من العوامل، من بينها: أن تتضمن الرسالة الترويجية معلومات صحيحة وصادقة ودقيقة وذات جودة، مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق أهدافها في الحماية؛ بالإضافة إلى مدى التوفيق في اختيار فكرة الرسالة الترويجية وما مدى وضوحها بما يضمن تقبلها من طرف الجمهور الموجه إليه...الخ.

ب- مدى التزام المنتجين أو البائعين بضرورة كتابة كل البيانات الخاصة بالسلع على غلافها مما يتيح توفير الحماية للمستهلك، ومن ثم تمكينه من اتخاذ قرار الشراء بكل حرية؛ حيث يكون المستهلك على دراية كافية بمحتويات وكمية ومجالات وطرق استعمال كل منتج من المنتجات، إلى غير ذلك من المعلومات الضرورية، على أن تصاغ كل هذه الأمور بلغة بسيطة وسهلة تتيح للمستهلك استيعابها وفهمها.

ج- تولي المراكز والهيئات المختصة عملية وضع المواصفات القياسية للمنتجات، وإقناع المنتجين بمدى أهمية تقديم البيانات الكاملة والدقيقة والصادقة عن منتجاتهم في حماية المستهلك من الغش والخداع التسويقي، وكذلك حمايته من الأخطار.

د- إلزام المنتجين أو البائعين بضرورة توفير الضمان للمستهلك عن السلع والخدمات المقدمة له سواء أكان هذا الضمان صريحا أو ضمنيا، مكتوبا أو شفهيا.  

هـ- تفعيل الرقابة الدقيقة من طرف الهيئات المختصة فيما يخص مخالفات الأسعار، مع تشديد العقوبات الرادعة حتى لا يتضرر المستهلك.

ك- تحديد الأسعار بطريقة واقعية بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمستهلك، مع متابعة التغير في الأسعار بما لا يضر بمصالح المستهلك.

ل- توفير الشروط الصحية لاستخدام المواد والعبوات بما في ذلك التعبئة والتغليف.

ر- الالتزام بإيصال المنتجات إلى المستهلك في المكان والزمان المناسبين، مع تحقيق العدالة في التوزيع.

2- دور الجودة ورقابة الجودة في حماية المستهلك.

تلعب الجودة دورا هاما في ضمان حماية المستهلك، كما يمكن أيضا تحقيق هدف الحماية من خلال تفعيل نشاط الرقابة على الجودة.

أ‌-     أهمية الجودة في ضمان حماية المستهلك.

تعتبر الجودة والتقييس من الآليات الهامة التي تعتمد في ضمان حماية المستهلك خاصة بعد هيمنة  الاتجاه المتزايد إلى عولمة الأسواق واشتداد المنافسة، تزايد ظاهرة الغش والخداع التسويقي الذي يتعرض له المستهلك؛ فاعتماد الجودة والتقييس يعني أن المؤسسات اتجهت للبحث عن ما يميزها في الأسواق عن منافسيها، كما أن ذلك يعني في الوقت نفسه أنها تركز على المستهلك، وتسعى إلى كسب رضاه وضمان وفائه من منطلق أن هذا المستهلك هو المبرر الرئيس لوجودها واستمرارها في السوق.

ولكي يتحقق للمؤسسات هذا الهدف وغيره من الأهداف الأخرى لجأت إلى بذل كل ما في وسعها من أجل حماية المستهلك من الغش التسويقي باعتباره من أغلى أصولها، وهذا عن طريق ضمان جودة المنتجات المقدمة له من خلال التقيد بمتطلبات المنظمة الدولية للمواصفات والمقاييس(ISO)، والتي يعتبرها المستهلك بمثابة مرجع للتمييز بين المنتجات المعروضة في الأسواق.

كما أن عدم تقيد المؤسسات بعنصر الجودة يجعلها تخل بمبدأ حماية المستهلك، مما يعني من جهة أخرى أن هذه المؤسسات سوف تفقد أجزاء هامة من أسواقها، ومن ثم مستهلكيها نظرا للعلاقة القوية الموجودة بين الجودة والتسويق؛ فعندئذ سيتملك المستهلكون شعور بعدم الرضا نتيجة للنقص في جودة السلع والخدمات المقدمة، الأمر الذي يكون لديه انطباعا سيئا عن صورة تلك المؤسسات، وسيضطره ذلك إلى البحث عن منتجات أخرى لمؤسسات أخرى؛ وتكون النتيجة في الأخير مكلفة للمؤسسات المتهاونة في موضوع الجودة ومن خلالها حماية المستهلك؛ وسيقود ذلك في الواقع إلى أن تجد تلك المؤسسات نفسها في وضعيات تنافسية ضعيفة، وسيتطلب منها عندئذ بذل مجهودات كبيرة لتصحيح صورتها مرة أخرى في ذهن المستهلكين.[14]

ب- دور رقابة الجودة في حماية المستهلك.

تلعب الرقابة على الجودة دورا هاما في حماية المستهلك من الأضرار الصحية الناتجة عن استعمال مواد أو أغذية فاسدة، وفحص السلع المنتجة محليا أو المستوردة، ومحاربة الاحتكار، ووضع مواصفات قياسية للإنتاج والاستيراد والتصدير.

وتوجد عدة تعريفات لمفهوم رقابة الجودة من بينها أنها:" مجموعة من الأنشطة المحددة، والتي تستخدم بهدف التأكد من الإنتاج الذي تم تحقيقه يتفق ويتطابق مع تلك المواصفات التي وضعت له سلفا".[15]

ويمكن للرقابة على الجودة أن تؤدي دورها بفعالية في حماية المستهلك من خلال قيام الأشخاص المؤهلون قانونا بالمعاينة المباشرة، أو بالفحوص البصرية، وبواسطة أجهزة المكاييل والموازين والمقاييس، وبالتدقيق في الوثائق، والاستماع إلى الأشخاص المسؤولين، أو بأخذ عينات من المنتج، بالإضافة إلى زيارة الأماكن والتجهيزات ذات العلاقة بالمنتجات الموجهة للاستهلاك، وهذا في كامل أوقات العمل.[16]

 تاسعا:- تحليل واقع وآفاق حماية المستهلك في الجزائر.

بعد تزايد الاهتمام بالمستهلك على المستوى الدولي نظرا لتعاظم الضغط الذي أصبحت تمارسه جمعيات حماية المستهلك، وجدت الجزائر نفسها مضطرة للاهتمام نسبيا بالمستهلك، فعمدت إلى إنشاء هيئات وتعيين إدارات تعنى بموضوع حماية المستهلك، وسن القوانين والتشريعات التي تكفل مراقبة مدى مطابقة المنتجات المعروضة لغرض الاستهلاك لمقاييس الجودة، ومن ثم محاربة الغش وحماية المستهلك؛ إضافة إلى ذلك فقد تبنت الجزائر حقوق المستهلك التي أقرتها مواثيق منظمة الأمم المتحدة.

كما دعمت الجزائر هذا التوجه الرسمي للحماية بتشجيع المنظمات غير الحكومية، أي جمعيات المجتمع المدني في لعب دور أساسي في مجال حماية المستهلك.

1- الأطراف المسؤولة عن حماية المستهلك الجزائري من الغش والخداع التسويقي.

ترجع مهمة الإشراف رسميا على حماية المستهلك في الجزائر إلى وزارة التجارة، حيث تتولى تنفيذ نظام مراقبة السلع الغذائية والخدمات المرتبطة بها من زاوية مدى مطابقتها لمعايير الجودة والصحة والأمان؛ كما يتم تنفيذ هذا الدور الحمائي للمستهلك إضافة للوزارة الوصية قطاعات وزارية أخرى تتمثل في:

أ- وزارة السياحة، وذلك من خلال عمل مفتشي السياحة.

ب- وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات، وهذا عن طريق مصالح الوقاية، والمخابر الولائية للصحة.

ج- وزارة الفلاحة والتنمية الريفية، وهذا بواسطة مصالح الطب البيطري، مصالح الصحة النباتية.

د- وزارة الدفاع الوطني، من خلال عناصر الدرك الوطني.

هـ- وزارة الداخلية والجماعات المحلية، وهذا عن طريق مكاتب النظافة، كذلك الأمن الوطني.

يضاف إلى هذه الهيئات الرسمية، هيئات أخرى غير رسمية تتمثل في الجمعيات المهنية وأرباب العمل، وجمعيات حماية المستهلك؛ وهذا من منطلق ضرورة مساعدة الدوائر الحكومية في الوفاء بهذه المهمة النبيلة والأخلاقية، فليس أحرص على تحقيق مصلحة المستهلك من المستهلك نفسه.

2- آليات حماية المستهلك الجزائري من الغش والخداع التسويقي.

بغية تفعيل حماية المستهلك في الجزائر تماشيا مع ما تشهده حماية المستهلك من تطور نوعي على المستوى الدولي، أصدرت الجزائر في أوائل سنة 1989 القانون رقم( 89-02) المؤرخ في: 07 فبراير 1989، المتعلق بالقواعد العامة لحماية المستهلك، حيث يجسد هذا القانون المبادئ الأساسية لمراقبة السلع والخدمات المعروضة للاستهلاك، ومحاربة وقمع مختلف أنواع الغش والتحايل الممارس على المستهلك، ومن المبادئ الأساسية التي تضمنها هذا القانون نجد:

أ- إجبارية أن يتوفر المنتج، سواء أكان سلعة أو خدمة على ضمانات ضد كل المخاطر التي يمكن أن تتسبب في إحداث ضرر بصحة المستهلك، أو بأمنه، أو بمصالحه المادية.

  ب- إجبارية مطابقة المنتج المعروض للاستهلاك للمقاييس المعتمدة، والمواصفات القانونية والتنظيمية.

ج- إجبارية إعلام المستهلك بخصائص ومميزات المنتج المعروض من أجل الاستهلاك.

د- إجبارية المراقبة الذاتية، بالإضافة إلى إجبارية الضمانات.

هـ - حق المستهلك في تجريب المنتجات المقدمة إليه في إطار التبادل.

ومن أجل وضع القانون المشار إليه أعلاه حيز التنفيذ، تم إصدار أكثر من 70 نصا تنظيميا متعلقا بإجراءات المراقبة والمواصفات التقنية لبعض المنتجات.[17]

 

يضاف إلى ذلك صدور القانون رقم: 04/02 بتاريخ 23 جوان 2004، الذي يحدد القواعد المطبقة على الممارسات التجارية من أجل تدعيم المنظومة التشريعية المنظمة للمجال التجاري بصفة عامة وحماية المستهلك بصفة خاصة من الأشكال الجديدة للتحايل والغش والتلاعب، لما لهذه الأشكال من قدرة على تضليل المستهلك بشأن السلع والخدمات التي تقدم له؛ ويتضمن هذا القانون عدة جوانب تتمثل في:الأحكام العامة، شفافية ونزاهة الممارسات التجارية، المخالفات والعقوبات، معاينة المخالفات ومتابعتها، وأخيرا الأحكام الختامية.

الخاتمة:-

تتضمن خاتمة هذه الدراسة مجموعة من الاستنتاجات والتوصيات نلخصها فيما يلي:

نلاحظ من الدراسة أن موضوع حماية المستهلك يحظى باهتمام متزايد سواء على المستوى الوطني أو العالمي، لما يمثله هذا الموضوع من حساسية بالنسبة لقطاعات اجتماعية واسعة( اقتصاد، قانون، إدارة، ....)؛ كما أن هذا الاهتمام يعكس من جهة أخرى حجم التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات- خاصة العربية منها- بفعل الانفتاح الاقتصادي المتعاظم، والتدفق الإعلامي والمعلوماتي الكبير.

انطلاقا من ذلك نرى أن المستهلك- خاصة في الجزائر- في أمس الحاجة إلى حماية متعددة الأبعاد( صحية، أسرية، اجتماعية، تسويقية، إعلامية، معنوية.....)؛ كما يعتبر هو نفسه أو خطوة في ضمان هذه الحماية، وهذا من خلال عدم تهافته على المنتجات الاستهلاكية إلا بالقدر الذي يتماشى مع حاجاته وإمكاناته المالية، والتزامه بمبدأ ترشيد استهلاكه وعقلنة إنفاقه.

كما يجب على المستهلك أن يكون واعيا بضرورة حماية نفسه من الأطراف الأخرى التي تشكل معه عناصر عملية التبادل، وهذا من خلال التدقيق في مدى صلاحية أي منتج معروض عليه للاستهلاك بالرجوع إلى البيانات، وأخذ بعين الأسعار، أي ينبغي عليه تثقيف نفسه سواء تعلق الأمر بالجوانب الصحية الوقائية، أو تعلق الأمر بالجوانب التجارية والاقتصادية، وهذا كله من حماية نفسه من الغش والخداع الذي يمكن أن يمارس عليه في هذا المجال.

كما نرى إضافة إلى ذلك ضرورة أن يكون هناك تعاون بين قوى المجتمع الرسمية والمدنية، وهو ما يمكن اعتباره المدخل الرئيس لإحداث التغيير المطلوب قانونا وممارسة بالنسبة لهذا الموضوع الحساس والهام في الوقت نفسه؛ لأن المستهلك الفرد سيكون فاعلا ويصنع النجاح إذا ما أراد ذلك؛ فمن خلال سلوكه اليومي من مراقبة السلع والتأكد من معلوماتها ونوعيتها وإصراره على الشكوى لدى جمعيات حماية المستهلك وهيئات الرقابة هو الذي سيضغط على الجميع وسيحدد مصير تطوير الاقتصاد؛ إذا المستهلك- في رأينا- هو الذي يحدث التوازن لأنه هو في النهاية من يختار ويدفع السعر، أما سكوته ولا مبالاته وضعف اطلاعه سيؤدي إلى استمرار الفساد والغش وغلاء الأسعار.

ومن جهة أخرى يجب تفعيل الأساليب الترويجية في توعية المستهلك وتوجيهه بما يضمن حمايته وحفظ حقوقه، وهو ما نعتبره من أنجع أساليب الحماية، ونقصد بذلك تفعيل الاتصال والذي يتم عن طريقه نقل المعلومات عن السلع والخدمات والأفكار للمواطنين لتعريفهم بتلك المنتجات وإقناعهم بقبول أو رفض ما تم الإعلان عنه من حيث مكوناته، ومقدار المنفعة التي يحصلون عليها؛ أي يجب نشر الوعي والثقافة بين الجماهير التي يحتمل أن تنتفع من هذه المنتجات؛ يضاف إلى ذلك التعرف على وجهات نظر المستهلك، ولكي نضمن فعالية هذه الأساليب وتأثيرها فإن ذلك يعتمد أساسا على الفكر والتصميم الجيدين للرسالة الترويجية بالإضافة إلى الحملات الإعلانية المخططة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع:-

1- ثامر البكري، التسويق: أسس ومفاهيم معاصرة، طبعة 2006، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، عمان- الأردن،

2 - عنابي بن عيسى، جمعيات حماية المستهلك وترشيد الاستهلاك، الملتقى الوطني الأول حول: حماية المستهلك في ظل الانفتاح الاقتصادي، المركز الجامعي بالوادي- الجزائر: 13-14 أفريل2008.

3- عمر لعلاوي، دور وأهمية الجودة  والتقييس في حماية المستهلك، الملتقى الوطني الأول حول: حماية المستهلك في ظل الانفتاح الاقتصادي، المركز الجامعي بالوادي- الجزائر: 13-14 أفريل2008،

5 - زكي خليل المساعد، التسويق في المفهوم الشامل، دار زهران للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، 1997.

6 - فريد عبد الفتاح زين الدين، تخطيط ومراقبة الإنتاج مدخل إدارة الجودة، دار الكتب المصرية، مصر: 2000

7- لعجال لمياء، الحماية الفردية والجماعية للمستهلك، مذكرة ماجستير( غير منشورة) في القانون، تخصص: قانون الأعمال، كلية الحقوق والعلوم الإدارية، جامعة الجزائر، 2002

8- المادة 3 من المرسوم التنفيذي رقم 90- 39 المؤرخ في 30 جانفي1990، المتعلق برقابة الجودة وقمع الغش(الجزائر).

 

9- Kotler Ph, What consumers means for marketers, Harvard Business Review, 1972

 

10- http://europa.eu.int/comm/dgs/health_consumer/index_fr.htm, consulté le : 20/01/2009

 

11- http://rfconseil.grouperf.com/depeches/14542.html, consulté le : 20/01/2009

 


 - زكي خليل المساعد،1997 ، ص444.[1]

[2] - Kotler Ph, 1972, P.48

 - لعجال لمياء، 2002، ص 2.[3]

 - ثامر البكري، 2006، ص ص 235-237.[4]

[5] - consumer bill of right.

 - عنابي بن عيسى، 2008، ص 234.[6]

 - المرجع السابق، ص239.[7]

 - المرجع السابق، ص 234.[8]

 - ثامر البكري، مرجع سابق، ص237.[9]

 - زكي خليل المساعد، مرجع سابق، ص ص446-447.[10]

[12] - http://rfconseil.grouperf.com/depeches/14542.html, consulté le : 20/01/2009

 

 

 

 - زكي خليل المساعد، مرجع سابق،ص ص 459-465.[13]

 - عمر لعلاوي، 2008، ص 156.[14]

 - فريد عبد الفتاح زين الدين، 2000، ص 490.[15]

 - المادة 3 من المرسوم التنفيذي رقم 90- 39 المؤرخ في 30 جانفي1990، المتعلق برقابة الجودة وقمع الغش(الجزائر).[16]

- لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى: عنابي بن عيسى، مرجع سابق، ص244.[17]